الشيخ الطبرسي
286
تفسير مجمع البيان
الآية القولان الأولان ( إنه عمل غير صالح ) قد ذكرنا الوجه في القراءتين ، واختار المرتضى ( رض ) في تأويله : ان التقدير أن ابنك ذو عمل غير صالح ، واستشهد على ذلك بقول الخنساء : ما أم سقب على بو تطيف به قد ساعدتها على التحنان أظئار ( 1 ) ترتع ما رتعت حتى إذا ادكرت فإنما هي إقبال ، وإدبار ( 2 ) أرادت فإنما هي ذات إقبال وإدبار . قال : ومن قال إن المعني : إن سؤالك إياي ما ليس لك به علم ، عمل غير صالح ، فإن من امتنع من أن يقع على الأنبياء شئ من القبائح ، يدفع ذلك . فإذا قيل له : فلم قال ( فلا تسألن ما ليس لك به علم ) وكيف قال نوح : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) قال : لا يمتنع أن يكون نهي عن سؤال ما ليس لك به علم ، وإن لم يقع منه ، وأن يكون تعوذ من ذلك ، وإن لم يوقعه ، كما نهى الله سبحانه نبيه عن الشرك في قوله ( لئن أشركت ليحبطن عملك ) وإن لم يجز وقوع ذلك منه . وإنما سأل نوح عليه السلام نجاة ابنه بشرط المصلحة ، لا على سبيل القطع . فلما بين الله تعالى أن المصلحة في غير نجاته ، لم يكن ذلك خارجا عما تضمنه السؤال . وقوله : ( إني أعظك ) أي : أحذرك ، والوعظ : الدعاء إلى الحسن ، والزجر عن القبيح ، على وجه الترغيب والترهيب ( أن تكون من الجاهلين ) معناه : لا تكن منهم . قال الجبائي : يعني إني أعظك لئلا تكون من الجاهلين ، ولا شك أن وعظه سبحانه يصرف عن الجهل ، وينزه عن القبيح ( قال ) نوح عند ذلك : ( رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم ) أي : أعتصم بك أن أسألك ما لا أعلم أنه صواب ، وأنك تفعله ، ومعنى العياذ بالله : الاعتصام به طلبا للنجاة . ومعناه ههنا : الخضوع والتذليل لله سبحانه ، ليوفقه ولا يكله إلى نفسه . وإنما حذف ( يا ) من قوله ( رب ) وأثبته في قوله ( يا نوح ) لأن ذلك نداء تعظيم ، وهذا نداء تنبيه . فوجب أن يأتي بحرف التنبيه ( وإلا تغفر لي وترحمني أكن من الخاسرين ) إنما قال ذلك على
--> ( 1 ) السقب : الذكر من ولد الناقة . والبو : أن ينحر ولد الناقة ، ويؤخذ جلده فيحشى ، ويدنى من أمه لتسلى به . التحنان : الحنين . والأظئار جمع الظئر : وهي التي تعطف على ولد غيرها . ( 2 ) يقول : إن هذه الناقة ترعى ما دامت ناسية ولدها الذي ذبح ، فإذا تذكرته أخذتها رعدة واضطراب ، فصارت تقبل وتدبر . وشبهت نفسها بها .